الحبّ
كلنا سمعنا بهذه الكلمة وهي الحب، وقد يكون هناك من تجاوز مرحلة السماع بها إلى عيشها وتجربتها، فالحب تعريفه يختلف من شخص لآخر مثل تجربته وعيشه والتعبير عنه، ولكنه يبقى شيئًا جميلًا نمارسه في حياتنا اليومية مع أهلنا، أصدقائنا، إلى غير ذلك. وفي نفس الوقت قد نجده أحيانًا يخيفنا أو نتهرب منه رغم رغبتنا في عيشه، وهنا أقصد العلاقات العاطفية، وقد يكون هذا راجعًا إلى تجاربنا السابقة أو محاولة حماية أنفسنا، خصوصًا في وقتنا هذا، إذ تتردد عبارات مثل الحب الحقيقي لا يوجد و لا يجب أن نثق تحت مسمى الحب.
لكن في هذا المقال سنتطرق إلى تعريفه في العلوم والفلسفة وعلم النفس، وإلى تأثيره في حياتنا، بالإضافة إلى علامات تدل على الوقوع في الحب، وأخيرًا سنقدم أمثلة من قصص الحب الخالدة كتأكيد أن الحب شيء جميل، وأيضًا سأقدم لكم بعض قوانين الحب من كتاب خمسون قانونًا للحب.
ما هو الحب؟ مفهوم الحب في اللغة
هو إحساس قوي وعظيم يشعر به الإنسان تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يجعله ينجذب إليه عاطفيًا، فيرغب الفرد في مشاركته تفاصيل حياته والبقاء معه إلى الأبد.
وهو شعور جميل يجعل المرء يهتم بمن يحب، ولا يرى أي أحد غيره.
وتُرادفه العديد من المُصطلحات العميقة، كالعشق، والاعتزاز بالحبيب، والرغبة القويّة بالعناية به ورعايته باستمرار.
وهو شعور ينمو يومًا بعد يوم، خصوصًا إذا كان مع الشخص الصحيح، ومصدر نموه هو الاهتمام والمساندة والدعم، إلى غير ذلك.
مفهوم الحب في علم النفس
قام علماء النفس بالاجتهاد في تعريف الحب عن طريق أبحاثهم والتجارب الحياتية للأشخاص الواقعين فيه، فهو في نظرهم التوصل إلى المشاركة والدعم الذي ينتج عنه علاقة مترابطة وقوية مليئة بالمشاعر العاطفية والفسيولوجية العظيمة، تتمحور حول الرعاية، والاهتمام، والدعم، والعطف، وغيرها من المشاعر.
مفهوم الحب في الفلسفة
تختلف تعاريف الحب في الفلسفة عن تعريفه لدى الشعراء والعلماء، حيث إن بعض الفلاسفة يعتبرونه كلمة لا تعبّر عن شيء معقول وملموس أو مرتبط بحقيقة واضحة، في حين يرى البعض الآخر بأنه تأثير قوي ووسيلة عظيمة للسيطرة على الكيان ورؤية العالم بصورة مختلفة تحت تأثيره، وآخرون فضلوا عدم تفسيره وتركه في عالم الفضول.
لكن هذا لا ينفي الدور الكبير للحب في حياة الإنسان لما له من تأثير قوي.
التفسير العلمي للحب
يركز التفسير العلمي للحب على التفاعلات الكيميائية الحيوية في الدماغ والفوائد الفسيولوجية للحب.
يحدث الحب نتيجة إفراز هرمونات مثل الدوبامين الذي يسبب السعادة والنشاط، والأوكسيتوسين الذي يعزز الترابط، بالإضافة إلى دوره في علم النفس من خلال تلبية الحاجات العاطفية وتشابه الأفكار بين الشريكين.
أضاف العلماء أيضًا العديد من التفسيرات عن أسباب الوقوع في الحب والشعور به، فاعتبره بعضهم أمرًا معقدًا يحتاج إلى العديد من الدراسات، لأن تأثيره وطبيعة الإحساس به تختلف من شخص لآخر.
فقد يبدأ الحب بنظرة أو لقاء بسيط أو فعل من ناحية الطرف الآخر يؤدي إلى الشعور بالانجذاب والرغبة العارمة في التقرب من الطرف الآخر.
تأثير الحب ودوره في حياتنا اليومية
التأثيرات الإيجابية:
التأثيرات الكيميائية الحيوية في الدماغ:
الدوبامين: يؤدي إلى الشعور بالسعادة والطاقة والنشاط عند قضاء الوقت مع الحبيب، وهو نفس الهرمون المرتبط بالإدمان ومسار المكافأة في الدماغ.
الأوكسيتوسين: يُعرف بـ "هرمون الحب"، ويُفرز خلال اللقاءات، ويساهم في تعزيز الشعور بالارتباط والثقة، ويقلل من التوتر والقلق، حسب مستشفى الرخاوي والجزيرة نت.
النورأدرينالين: يسبب بعض الأعراض الجسدية المصاحبة للحب كزيادة سرعة نبضات القلب وارتفاع ضغط الدم.
فوائد نفسية:
يقلل من الشعور بالقلق والتوتر والاكتئاب.
يعزز الشعور بالرضا والسعادة والأمان.
يُحسن النظرة إلى الحياة والعالم من حولك.
فوائد صحية جسدية:
يقلل من ضغط الدم.
يقوي جهاز المناعة ويساعد على التعافي من الأمراض بشكل أسرع.
يساهم في طول العمر بسبب الدعم الاجتماعي والعاطفي والالتزام بنمط حياة صحي.
تأثيرات اجتماعية:
يعزز الروابط الاجتماعية.
يزيد من الرحمة والحكمة في التعامل مع الآخرين.
التأثيرات السلبية للحب الفاشل
تأثيرات نفسية:
للأسف هناك تأثيرات سلبية للحب على النفس في حالة الوقوع في الحب مع الشخص الخطأ، مما يؤدي إلى اكتئاب شديد، ويسبب اليأس وفقدان الشهية.
وقد يسبب الأرق والخمول.
تأثيرات جسدية:
قد يؤدي إلى "متلازمة القلب المكسور" الناتجة عن التوتر العاطفي، والتي تسبب قصورًا حادًا في القلب.
تأثيرات في العلاقات:
يمكن أن يتسبب حب الشخص النرجسي في تدمير الطرف الآخر وتفاقم مشاعره السلبية.
فعند الوقوع في الحب مع الشخص النرجسي، وهو من أصعب وأخطر أنواع الأشخاص، لأنه في البداية يظهر على شكل الشخص الصحيح والعوض الذي لا ينقصه شيء، لكن سرعان ما ينقلب على الطرف الآخر ويبدأ في استنزاف طاقته يومًا بعد يوم.
علامات الوقوع في الحب
علامات داخلية:
الميل إلى تضخيم الصفات الإيجابية للشريك ورؤيته مناسبًا تمامًا لا ينقصه شيء، والتغاضي عن بعض سلبياته، وبالتالي النظر إليه كشخص مختلف عن الآخرين فلا يُرى سواه.
الشعور بالبهجة والسعادة تجاه الحبيب خصوصًا عند نجاحه وشعورك بأنه بخير وسعيد، فهذا يمنحك السعادة، فغالبية المحبين يرددون: إذا كنت بخير فأنا بخير.
التأثر بأفكار الحبيب والاهتمام بها، مما يحولنا من اتخاذ قراراتنا وحدنا كما في السابق إلى مشاركته القرار وطلب رأيه ودعمه، وهنا تظهر أهمية الحب في التعاون والمساندة عند الحاجة.
علامات جسدية خارجية:
الابتسامة الصادقة والعفوية: حيث إن الابتسامة تُعبّر عن السعادة والمزاج الجيّد، وغالبًا ما يبتسم المرء في وجه الشخص الذي يُسعده، وبالتالي فإن ابتسامته الجذّابة المتواصلة في وجه من يُحب دليل على رغبته بالبقاء معه والتواصل أكثر، وعلى شعوره بالبهجة والراحة.
التواصل البصري: تُعتبر الاستجابة البصرية الإيجابية التي تتمثل بالتركيز على عيني الطرف الآخر والنظر إليهما مطولًا بشكلٍ مباشر دليلًا على الاهتمام به، في حين أن إزاحة النظر عنه وعدم القدرة على التواصل البصري تدل على عدم الاهتمام، أو الخداع أحيانًا، وبالتالي فإن نظرات العين الثابتة والتركيز تكون على الأشياء التي يُحبّها الشخص وينجذب لها.
بالإضافة إلى الإنصات الفعّال للطرف الآخر، لأننا كما ذكرنا من قبل، عند الحب نصبح مهتمين بالآخر، فإذا كان يتحدث عن شيء يهمه، نجد أنفسنا نستمع إليه بعناية وتركيز.
أمثلة من قصص الحب الخالدة:
ومن أكثر القصص التي أحبها وتأثرت بها هي قصة عروة وعفراء:
كان عروة يعيش في بيت عمه والد عفراء بعد وفاة أبيه، وتربيا معًا فأحبا بعضهما وهما صبيان.
فلما شبّ عروة تمنى أن يُتوج الزواج قصة حبهما الطاهرة، فأرسل إلى عمه يخطب إليه عفراء، ووقف المال عقبة في طريق العاشقين، فقد غالت أسرة عفراء في المهر، وعجز عروة عن القيام به. وألحّ عروة على عمه، وصارحه بحب عفراء، ولأنه كان فقيرًا راح والدها يماطله ويمنّيه الوعود، ثم طلب إليه أن يضرب في الأرض لعلّ الحياة تقبل عليه فيعود بمهر عفراء. فما كان منه إلا أن انطلق طلبًا لمهر محبوبته.
وعاد بعدما جمع مهرها ليخبره عمه أن عفراء قد ماتت، ويريه قبرًا جديدًا، ويقول له إنه قبرها، فانهار عروة وندب حظه وبكى محبوبته طويلًا، حتى جاءته المفاجأة، فقد ترامت إليه أنباء بأن عفراء لم تمت، ولكنها تزوجت. فقد قدم أمويّ غني من الشام في أثناء غيبته، فنزل بحيّ عفراء، ورآها فأعجبته، فخطبها من أبيها، ثم تم الزواج رغم معارضتها، ورحل بها إلى الشام حيث يقيم.
ولما علم بذلك انطلق إلى الشام، ونزل ضيفًا على زوج عفراء، وكان الزوج يعرف أنه ابن عم زوجته، ولا يعلم بحبهما بطبيعة الحال. ولأنه لم يلتقِ بها بل بزوجها، فقد راح هذا الأخير يماطل في إخبار زوجته بنبأ وصول ابن عمها. فألقى عروة بخاتمه في إناء اللبن وبعث بالإناء إلى عفراء مع إحدى الجواري، وأدركت عفراء على الفور أن ضيف زوجها هو حبيبها القديم، فالتقيا، وحرصًا منه على سمعة عفراء وكرامتها، واحترامًا لزوجها الذي أحسن وفادته وأكرم مثواه، غادر تاركًا حبه خلفه.
ومضى الزمان عليهما، ومرض عروة مرضًا شديدًا، وأصابه السل حتى فتك به، وأسدل الموت على العاشقين ستار الختام بموت عروة. بلغ النبأ عفراء، فاشتد جزعها عليه، وذابت نفسها حسرات وراءه، وظلت تندبه حتى لحقت به بعد فترة وجيزة، ودفنت في قبر بجواره.
وأخيرًا، سأقدم لكم بعض قوانين الحب من كتاب خمسون قانونًا للحب للكاتب أدهم الشرقاوي
القانون الأول: الحب لا يطرق الباب بل يخلعه
لا كبير عن الحب، وإنه إذا نزل بساحة قلب زلزله، وقلب كيان صاحبه رأسًا على عقب، وقد يؤدي بالفارس الشجاع رمشٌ رقيق يفعل به فعل السيوف القاطعة.
فسبحان من أعطى الغزلان من النساء رقة يَصِدن بها الأسود من الرجال، وسبحان من إذا ألقى محبة رجل في قلب امرأة سكن عينيها فلا ترى سواه، وسكن قلبها فلا يطيب لها نبض إلا به، وسكن رئتيها كأنها تحتاجه لتتنفس.
القانون الثاني: الحب يغيرنا
لا أحد يمكنه أن يعبر البحر سباحة دون أن يبتل، وكذلك الحبّ، فإنه سيترك أثره فيك لا محالة!
فكم فينا من رقةٍ ما كنّا نحسب أنها فينا، فلمّا أحببنا وجدناها!
وكم من شدةٍ كنّا نظنّ أنها الأصل في طبائعنا، فإذا بالحبّ يروّضنا!
وكم أخذتنا العزة بالكرامة، فقلنا: لا نغفر ولا نرجع، فإذا بنا نغفر ونرجع!
لا أحد مسّه الحبّ فبقي بعده كما كان قبله.
القانون الثالث: اعشق ولا تتملك
كثيرًا ما يخلط الناس بين الحب وحبّ التملّك، رغم أن المسافة بينهما كما بين المشرق والمغرب!
فالحبّ هو محاولة حثيثة لإسعاد شخصٍ آخر، بمعنى محاولة جادّة ومستمرة وبكلّ ما فيك من عزم لإسعاد ذلك الشخص.
بينما حبّ التملّك هو محاولة مستميتة لامتلاك شيءٍ ما، وإن كانت هذه المحاولة مغطاة بالعاطفة.
ومن هنا أتى الخلط بينهما!
فالمتملّك إنما يهتمّ بقدر ما يُشبع رغبته، وما يشعر به من رضا ولذّة،
ولا يعنيه أبدًا ما لهذا الرضا وتلك اللذة من ضرر على الشخص الذي يتملّكه.
لقد ذكرت فقط ثلاث قوانين من الحب، فكما قلت هناك قوانين أخرى، لذا أنصحكم بقراءة الكتاب، لأنه يستحق صراحة.
خاتمة
الحب شيء جميل، خصوصًا إذا كان متبادلًا ومع الشخص الصحيح، فهو يغيرنا ويعطي معنى لحياتنا.
فيبقى الحب بكل أنواعه جميلًا، سواء حب النفس، الحبيب، العائلة، الصديق، وأسمى تلك الأنواع حب الله.
وسأختم هذا المقال بعد تمني أن ينال إعجابكم بمقولة أحبها وهي:
"كل شيء جميل عندما ننظر إليه بحب."







