لماذا يصعب علينا التخلي ؟ رحلة في فهم التعلق و معالجته
اغلبنا مررنا بمرحلة في حياتنا كان التخلي صعب ومؤلم وقضينا وقت طويل نحاول أن نتقبل تخلينا عن أشياء أو أشخاص كانوا جزء من حياتنا في وقت مضى فالتخلي عنهم لم يكن برغبتنا بل كان ضرورياً علينا أن نتخلى لأن الاستمرار في فعل شيء ما أو في علاقة مع شخص ما كان يضرنا ويؤثر على صحتنا النفسية واستقرارنا، فرغم أن قرار التخلي غالباً نكون اتخذناه بعد صراع طويل مع أنفسنا وكم من مرة قلنا سنتخلى الآن فوجدنا أنفسنا مستمرين رغم معرفتنا بأن الاستمرار يضرنا، إلا أن هذا القرار ليس الكل يستطيع أن يتخذه، فهناك من يزال يستمر في علاقة سامة أو يفعل شيئاً يضره غير قادر على التخلي لأنه بمجرد تفكيره في هذا القرار يبدأ يتذكر ذكريات تربطه بهذا الشخص أو الشيء ولو كانت جميلة واحدة قد تمنعه.
فإذا كنت تخليت عن شيء أو شخص كان يعني لك الكثير من أجل سلامك الداخلي فأنا أقدر لك هذا القرار وأقول لك يجب أن تفتخر بنفسك لأن ليس قراراً سهلاً، رغم أن العديد يظل يردد: أنا أترك كل ما لا يسعدني ولا يريحني بسهولة. فأقول لهم: لا، التخلي لا يكون سهلاً أبداً ولا يجب أن ننسى أن كل شخص وطبيعته وقدرته على التجاوز والتخلي.
في هذا المقال سنتحدث عن الشيء الذي يعيق ويصعب علينا التخلي وهو ما يسمى بالتعلق ، سنتطرق إلى مفهومه، أسبابه وأنواعه، أغراضه وكيفية معالجته حتى نصبح أشخاصاً قادرين على التخلي.
للتوضيح : سنتطرق فقط الى نوع واحد من التعلق هو التعلق بالأشخاص لأن هناك انواع اخرى مثل التعلق بالاشياء الى غيرها
أولاً: مفهوم التعلق
التعلق هو رابطة عاطفية عميقة بين شخصين، قد يكون هذا التعلق صحياً مثل التعلق الآمن بين الطفل ومقدم الرعاية، وقد يكون مرضياً عندما نتعلق بأشخاص فنصبح نفتقر إلى استقلاليتنا بالإضافة إلى خوفنا المفرط من تخلي هذا الشخص عنا والهجران فنصبح في قلق دائم غير قادرين على تخيل حياتنا بعيدين عنهم.
ثانياً: أنواع التعلق
التعلق الآمن: هو التعلق الصحي الذي يكون فيه الشخص مستقلاً قادراً على إقامة علاقات صحية مع الآخرين بسبب نوع التربية التي حصل عليها وهو طفل من طرف أبويه الذين كانوا يستجيبون له بشكل مناسب ومنتظم مما أدى إلى خلق شخص لا يخشى العلاقات والالتزام بها ويعبر عن مشاعره بشكل طبيعي ولا يخاف الهجران.
التعلق القلق: هو عندما يحس بعدم الاستحقاق مما يؤدي إلى الخوف من الرفض، حيث يحتاج هذا النوع من الأشخاص إلى تأكيد مستمر على أنهم مهمون وهناك من يهتم بهم، وعند عدم حصولهم على هذا التأكيد يشعرون بالقلق وهذا قد يسبب مشاكل مع الطرف الآخر.
التعلق المتجنب: وهو الحماية الذاتية من خلال إلغاء التعلق، أي الشخص الذي يعاني من هذا النوع من التعلق يعتقد أن الطرف الآخر لن يكون موجوداً لدعمه عند الحاجة، وأنه من الأحسن أن يعتمد على نفسه ويقوم بكبت مشاعره خوفاً من الحاجة إلى الآخرين أو التعلق بهم لأن هذا قد يحسسه أنه ضعيف وقد تتأذى مشاعره، ولكن رغم هذا تجدهم يبحثون عن علاقات رومانسية ولكن سرعان ما يجدونها يرفضون الدخول فيها.
التعلق المتردد: أي صراع بين الخوف من الرفض والحاجة إلى الطمأنينة، هنا يعتقد الشخص أنه ناقص ولا يستحق الحب مما يجعله يحس بالعجز والحاجة إلى الالتزام في علاقة رومانسية، ومع ذلك يخشى القرب خوفاً من الرفض مما يؤدي إلى صراع داخلي بين الحاجة إلى الطمأنينة والخوف من الرفض.
ثالثاً: أسباب التعلق
التجارب المبكرة في الطفولة:
تعد مرحلة الطفولة مصدر غالبية المشاكل التي نعاني منها عندما نكبر ومنها التعلق، فالطفل الذي حصل على رعاية صحية من والديه أي اهتمام واستجابة لحاجياته وهو طفل، يخلق لنا شخصاً يعرف ما يسمى التعلق الآمن. وعلى العكس عند الإهمال للطفل من طرف الآباء والتجاهل لحاجياته يؤدي إلى تطوير شخص يعرف نوعين من التعلق وهما التعلق القلق أو المتجنب.
الاحتياجات النفسية والعاطفية:
التعلق ينشأ في الكثير من الأحيان بسبب احتياج الشخص إلى الأمان والانتماء والاعتراف. يشعر الأشخاص الذين لديهم هذه الاحتياجات بالميل والتعلق إلى كل شخص يمنحهم ويلبي لهم احتياجاتهم العاطفية والنفسية، وهذا قد يخلق تعلقاً غير صحي خصوصاً عند الاعتماد بكثرة على الآخر في تلبية هذه الاحتياجات.
الخوف من الوحدة والرفض:
قد يتعلق الشخص بالآخرين بسبب خوفه من الوحدة لأن مفهوم الوحدة في نظره شيء مخيف ويجب أن يتجنبها، فيخلق علاقات مع الآخرين حتى وإن كانت هذه العلاقات تضره، فالوحدة بالنسبة له مرعبة أكثر من العلاقة التي تستنزف طاقته وتسرق سعادته يوماً بعد يوم.
وأخيراً التجارب العاطفية السابقة:
كل شخص يحمل معه تجاربه السابقة سواء كانت إيجابية أو سلبية، إلا أن التأثير يختلف. فإذا كانت التجربة العاطفية السابقة إيجابية تجد الشخص لا يخشى العلاقات وقادر على خلق علاقات جديدة، أما إذا كانت سلبية قد تجعل الشخص إما يحس بالخوف ويتجنب العلاقات أو يتشبث بالعلاقة الجديدة ويتعلق بها خائفاً من تكرار التجربة.
كيف يمكن معالجة التعلق؟
هناك العديد من الطرق لمعالجة التعلق ومنها: أولاً وقبل كل شيء يجب معرفة نوع التعلق الذي يعاني منه الشخص ومحاولة فهم أسبابه، ومن بعد يمكنه أن يقوم بتجربة بعض الطرق مثل:
العمل على تعزيز الاستقلالية الذاتية من خلال تطوير الاهتمامات والهوايات الشخصية.
محاولة تطوير الثقة بالنفس دون الحاجة إلى الآخرين، ولكن هذا لا يعني أننا لن نحتاج إلى الآخرين، بل العكس فنحن بشر ونظل بطبعنا كائنات اجتماعية.
بالإضافة إلى التواصل مع الشريك العاطفي إذا كان الشخص في علاقة والتعبير عن المشاعر بطريقة عادية، والتعبير أيضاً عن الاحتياجات العاطفية والإنصات للشريك أيضاً.
ولا ننسى تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق والتأمل لأنها تساعد على التخلص من القلق والخوف الناتج عن التعلق.
وأخيراً يمكن اللجوء إلى العلاج النفسي، فهذا ليس عيباً، مثلما نذهب إلى الطبيب عند إحساسنا بالألم في مكان ما في جسدنا، يجب علينا أيضاً عدم إهمال صحتنا النفسية.
كخاتمة
أتمنى أن ينال إعجابكم هذا المقال وتكونوا قد استفدتم، ولا تنسوا أن التخلي وفك التعلق ليس أمراً صعباً وليس سهلاً في آن واحد، ولكن الوصول إلى الاستقرار النفسي والعاطفي يتطلب بعض التضحيات في سبيل حياة أفضل لأننا نستحق، وعندما ندرك أننا نستحق حتى من هم حولنا يعاملوننا باستحقاق.


